هنا القاهرة
القاهرة- 25 يناير – 11,30 مساء
الأخبار تتواتر من جميع الأنحاء, لا أحد يعلم ماذا يحدث. تركت المنزل بعد أن شاهدت ميدان التحرير خالي من البشر علي التليفزيون المصري.
نستقل أنا و أبي سيارتي الفضية الصغيرة لإيصالي لثالث مرة خلال 4 سنوات إلي مبني الأذاعة و التليفزيون, و أصر أن نسلك وسط البلد الحميم حتي أري ميدان التحرير.
أشب برقبتي إلي الأعلي من الشباك الصغير الذي يرفض و بعناد ان يفتح كليا, أري الميدان تحوطه من كل جانب عربات الأمن المركزي الزرقاء و بعض العساكر ينامون علي الأرض و الالاف يفترشون الدائرة الخضراء الكبيرة, ينشدون في صوت واحد " عيش- حرية- عدالة إجتماعية"
" كلها ساعة و البرد يقرصهم و يروحوا و بكرة الصبح كأنك يابوزيد ما غزيت" أقولها لنفسي و أنا أرمي البالطو الأبيض علي الكرسي الأمامي قبل أن أغادر السيارة. أتقدم نحو مبني الأذاعة الذي تطوقه بدل سوداء خشنة و وجوه تكفر بالحياة, أمد يدي إلي تليفوني المحمول لأجده ميتا بأمر من قصر العروبة, تري هل سأموت بنفس الأمر؟ بل نحن لا نعلم سواه.
" هنتكلم إنهاردة عن الكتابة و عن الكراكيب الجوانية" تقولها لي صديقتي سحرذات العيون العسلية.
القاهرة- 2 فبراير- الحادية عشرة صباحا
أصحو من النوم علي صوت أمي تناديني " يالا! أنا عايزة أروح الميدان! مش قادرة!"
نرتدي ثيابا خفيفة و احذية مطاطية, من يرانا يحسب أننا " رايحين الجيم مثلا!".
أقود سيارتي الصغيرة لأعبر شارع صلاح سالم, الدنيا هادئة في هذا النصف من القاهرة, أغادر نفق الأزهر الثعباني لأصل إلي شارع عدلي.
أمام المعبد اليهودي أجد نفسي وسط مؤيدين الرئيس في إتجاههم للتحرير,
أحاول أن أناور بالسيارة و لكن لا فائدة, أخبي وجهي بسرعة عندما أري شخصا يلتقط صورا لأولئك الذي يهتفون " بالروح و الدم نفديك يا مبارك"
أري أشخاصا يندسون – كم أكره هذه الكلمة الأن- وسط الجمع يمسكون عصي كبيرة. " شكلهم كده من اللجان الشعبية, ربنا يحميهم" تقولها أمي.
أركن السيارة و نصل إلي الميدان لنراه في أوجه " كرنفال سيدي التحرير" كم من العشق ينساب إلي روحك ما أن تخطو إلي ذلك المكان, عشقا مصحوب بدموع لا إرادية. نرحل في الثانية عشرة لأن علي التوجه إلي مجموعة أصدقاء الكلية لنتوجه إلي تطوعنا في نقابة الأطباء أو أحد المستشفيات القريبة.
و في الطريق أري تلك المجموعة قد وصلت إلي أطراف الميدان.
القاهرة 26 يناير ما بين الثانية عشرة و الثانية صباحا
نتبادل الأحاديث الضاحكة حول ميكروفون الأذاعة في داخل غرفة معزولة عن العالم أجمع بحوائط سميكة لا تمرر لا صوت و لا هواء جديد.
" الكتابة حرية" أقولها و انا أحمل بداخلي غصة ما يقرب من ثلاون عاما أحاول فيها أن أستهجئ تلك الكلمة ح ر ي ة. لا أشعر بطعمها علي لساني, بل أمد يدي في سرعة إلي كوب الشاي الدافئ لأبتلع كل المرارة التي أشعر بها في جوفي.
في تلك اللحظة و العيون العسلية تحتضن فرحة أولادها, لا نعلم أن مصر تنادي أبناء لها نائمون لكي يستيقظوا.
القاهرة 2 فبراير- الواحدة مساء
أغير ملابسي الخفيفة في سرعة شديدة لكي الحق بركب الصدقاء الذاهبون إلي المستشفي. أنظر إلي شاشة التليفزيون لأري جمال تحاول أن تسحق حلم الميدان, أري غبارا و كثيرا من الحجارة المتراشقة.
يأتيني صوته عبر الهاتف متقطعا, هذه المرة لا يختنق بالبكاء, بل هو ملئ بالدموع " ما تجوش إنهاردة, ملكوش لازمة… رصاص, دول مصطادين عصافير…"
أسفلت التحرير يروي من أجل حرية نشعر بها بعيدا عن الكتب.
أرسل رسالة نصية قصيرة " بلاش تروحوا النهاردة"
القاهرة 26 يناير الثانية و 10 دقائق صباحا
بمجرد أن خطونا خارج الغرفة المعزولة, رن هاتفي, إذن عاد للعمل مرة أخري بأمر من قصر العروبة المبارك, يأتيني صوت زينب الملتاع " قبضوا علي وزيري, إعتقلوا وزيري!"
إ ع ت ق ل. أحاول أن أمرر الكلمة بين خلايا مخي المعطلة تماما, تعيده شفتاي في آلية شديدة فتقرر سحر بصوت هادئ " بلاش دراما"
نخطو خارج مبني الأذاعة لنفاجئ بسحابة دخان, أختنق قليلا نظرا لحساسية صدري التي تعيش معي منذ سنين طويلة.
لا أري ملامح القاهرة التي أحفظها, ذهبت التفاصيل في تلك الليلة. و ترسم تفاصيل أخري جديدة, ملونة بلون أحمر قاني.
القاهرة, 2 فبراير الثانية مساء
لا أري سوي وسط البلد الحبيبة تحترق بالمولوتوف. و أيادي عفية تطرد الغزاة.
صوت الطلقات يدوي في المنطقة الهادئة التي أعيش بها.
أرتعد, تصل طلقة ذهبية اللون إلي الغرفة التي نجلس بها و تمر من جانب كتف أمي الصعيدية التي تضحك و هي تلتقط الطلقة من علي الأرض!
" بأكرهك… عمري ما كرهت حد قدك! بأكرهك!" أقولها لصورته في التلفاز و هو جالس في المسرح بينما يشدي له " إخترناه و بايعناه"
القاهرة 26 يناير الثانية و النصف صباحا
أستقل السيارة مع سحر بحثا عن مخرج إلي البيت. كل الطرق إلي مدينة نصر مغلقة. نلف في دوائر مغلقة, نمر من أمام حديقة الحيوان بالجيزة, عربات الأمن المركزي تتحول إلي مدرعات مصفحة
" هما خايفين مننا؟" أقولها بصوت مهتز
" بصي حواليكي, بصي كويس, إحنا بنشوف التاريخ بيتغيير"
" مش مصدقة عينيا"
" صدقي, يا رب! إنت سايبنا بقالك كتير"
" يمكن المرة دي يجيلنا, إحنا نطقنا, كان هيجي ليه لناس ساكته"
" حاساه موجود قوي المرة دي"
تقولها, فنبتسم.
Sorry, the comment form is closed at this time.