Post edited 10:03 am – July 10, 2010 by drsamoor
بعد أن شاهدنا معا فيلم تحت الشمس التوسكانية, و بكينا بكاء أظنه كان يحمل معاني أخري, ذهبت الصديقتان إلي غرفهما المجاورة لغرفتي في الفندق.
أختار الزاوية التي تلتقي فيها العروق الخشبية الطويلة المزروعة بقوة في سور الشرفة لتلقي بأخرياتها من علي السور المقابل ليصنعا حاجز ضد الشمس فوق رأسي, في عتمة الليل أستند بذراعي النحيلتين إلي السور لأقفز و أنكمش جالسة في هذا الوضع الغير مريح عندما أصفه, المريح لروحي عندما وجدته و فعلتها, لأسند جسدي علي الحائط الخشن خلف ظهري و أنظر إلي السماء الكحلية اللون التي تمتلئ بنجوم, منظر غريب علي كإبنة من بنات القاهرة فرت وحيدة لتستكين هنا بعض الوقت, أغلق عيناي و أنا أقاوم مخاوفي من الأماكن المرتفعة علي الرغم من أني هنا في الدور الثاني فقط.
أشاهد الأنوار البعيدة, الساعة تقترب من الثانية صباحا, أبتسم, و أخذ نفسا عميقا من سيجارة بالنعناع. و أتذكر أن هنا ليس علي البحث عن علكة بطعم نفاذ.
" هنا هطنش كل حاجة, حتي حساسية صدري, زهقت"
أنظر إلي أعماق الليلة الجميلة أمامي و أفكر أنه ليس بتلقائية "مارسيللو" الأيطالي الذي أخذ " فرانسيس" أو " فرانشيسكا" كما أحب أن يناديها في قبلة مفاجئة أمام البحر, قبلة بطيئة تستطعم حلاوتها المخلوطة برذاذ البحر المالحٌ, قبلة تغيرت معها ألوان السناء..
أشعر بتقلصات ظهري و رقبتي تعود, ليس بالقوة المعتادة لكنها بقوة كاقية تذكرني بوجود بقايا توتر, أشباح القاهرة من عمل لا يفني, قبلة أولي لا أتذكر معالمها الأن فقط ملمس شفتاه علي رقبتي, و أصوات كثيرة تتداخل داخل مجرة الروح, " لأ, هنا مش هفكر غير في نفسي" و لكن " نفسي" ترتبط بخيوط سحرية بأناس أخرون.
أشم رائحة لافندر هادئة تتسلل من مكان ما, و يد تدلك رقبتي بحب, ألتفت لأجدها حاضرة " سارة", " سا- رع" إبنة رع الكاهنة العليا, تبتسم بعينين عسلية حزينة, تفكك عقد رقبتي بأصابعها الطويلة, سمة نتشاركها.
" هو أنا مش مخضوضة ليه! و لا السيجارة دي نعناع و لا حاجة تانية"
أعاتب نفسي التي تأخذ الموضوع ببساطة, ف سارة بطلة رواية نون شاخصة أمامي, و أنا لا لأشعر بالهاع بل علي العكس عندما تضع كفها علي جبهتي أسند رأسي علي صدرها كصديقة قريبة.
" أنا خايفة يا سارة"
" ما كلنا بنخاف"
تتذكر المشهد الأخير في الرواية عندما تترك سارة نفسها لتبكي و ترتعش في حضن خالتها و تطلب أن تحتضنها بقوة, في تلك اللحظة طالما حسدت سارة علي شجاعة الأعتراف بلحظة الضعف, تلك اللحظات التي لازالت أخبءها تحت أطنان من خلايا الجسد التعبة و حتي إن صارحت أنني في لحظة ضعف أعود أعتذر " ما هو إنتوا مش نقصني" و الحقيقة أني خائفة من الأنهيار.
أقفز من علي السور و اجلس بجوارها علي الكنبة المطلة علي البحر, أنظر بعيدا و تجلس هي صامتة,
" نوبة الخوف ما جتلكيش تاني"
" و إنتي إيه اللي عرفك!!"
" ما أنا كنت بشوفها في كل مرة بتفتحي فيها الرواية و تققريني"
" كنت بتحامي فيكي"
تنظر إلي بتمعن شديد, فلا أقدر علي متابعة النظر إليها, و أحاول الصمود أمام عبثها في أروقة عقلي و وصولها إلي كل ما أشعر به من تخبط و حزن يتسرب من بين المساحات السوداء بين النجوم إلي قلبي. أشعر بإرتياح ممزوج برغبة عنيفة في البكاء, أقوم لأصب لنا كأسين من النبيذ الأبيض البارد, أرتشفه ببطء فيما هي تتذوق أولا.
أنظر إليها لأري ملامح من فرانسيس فيها, نفس الشعر الغجري, العينين الحزينة, و ملامح مني, الصمت الطويل, حركة الشفاه القلقة, و ثقة الناس في تحميلها أحزانهم.
أحاول هذه المرة أن أتكلم, تخرج الكلمات من فمي مبهمة.
" محدش بيموت من قلب مكسور"
تقولها لي, و هي تعطيني إيشارب بنفسجي اللون.
أنظر إلي الهلال الصغير المائل ناحية اليسار قليلا ليبدو كإبتسامة مرهقة, تأتيني " فرانسيس" مرة أخري, كيف أن جني الكتابة خانها عندما خارت قواها و تهدمت أساساتها الداخلية.
و كيف أنني أخشي ان أفقد يوما القدرة علي خط كلمات بتراصها تعطي معني ما أو لا تعطي,
أو أفقد صوتي من عمق الحزن و قلة الكلام.
أنظر إلي غرفتي, لأجدها مليئة بالفوضي, أخذ نفسا عميقا و تهمس فرانسيس
" ممكن تدوري علي مقاول, أو تعمليها إنتي بإيديكي"
Sorry, the comment form is closed at this time.