- أين علبة السجائر يا ولد ؟
- ليس مهما , لقد وعدتني أن تقلع عنها
- لن أكررها ثانية , أين السجائر ؟
- أبي , هيا ..إييه , إممم .. إنها مضرة بصحتك
- يا إبن الكلب , ما شأنك إذا كانت مضرة أم لا ؟ هاتها
- ها هي خذها , على رأيك .. ما شأني أنا بك ؟ ما شأني حتى لو أصبت بسرطان ينهش جسمك ؟
- يا إبن الكلب يا سافل يا إبن الكلب , أتدعي علي ؟!!! إتفوووو …. هات العلبة !
أعطيته علبته بعد الصرخة الأخيرة … صفقة الباب البعيد تعني أنه رحل
جلست على طرف فراشي جامدا غير عابئ بما يحدث …. إنني حتى لا أشعر ببصقته الضعيفة الواهنة .. ربما تبخرت من تلقاء نفسها أو .. إختفت داخلي
بدأ يتكلم أخي و هو يرتدي ثيابه .. هل قال شيئا عن الصبر ؟ هل قال شيئا ليخفف به الأمر ؟
قال ما قال و قد إكتمل مظهره الجديد .. هل قال شئيا عن ألا أغضب ؟ هل قال أشياء أخرى ؟ لا أدري , كل ما أدركه هو أنه لم يقل شيئا يستلزم مني الإجابة .. حتى
هذه لا أدركها , فربما كان يسأل يسأل إجابة و من كثرة صمتي مل … صفقة الباب القريب ثم صفقة الباب البعيد
لماذا أطفأ النور و هو راحل ؟ … هل لأني ممدد على الفراش بجانبي أكون سأنام ؟؟؟!!!! ….. لكن الحق هذا أفضل ما فعله , سأنام و أصحو و ينتهي الأمر كالعادة
……. ههههم … هووف … ربما لو جربت هذا الجانب .. ماذا عن الظهر ؟ …. كيف أستطيع أن أنام بهذا الألم في صدري ؟؟؟!!! ثمة شئ يسحب الصدر من منتصفه
و هو مؤلم حقا و ما هذا الضوء المتراقص أيضا ؟؟! كيف كنت سأنام معه كذلك ؟!
قمت لأغلق حافظة شاشة الكمبيوتر السخيفة و الجهاز اللعين كله , كليك ! هكذا راحت الحافظة و .. فلنسمع أغنية أو إثنتين قبل النوم … فرصة أن أجرب تلك السماعات
العملاقة التي وصلت هدية إلى أخي قبل أيام , فلا أحد غيري في المنزل
فلنجرب إحدى أغاني (( الروك )) التي يعشقها أخي .. عجبا ! في البدء كنت لا أقبلها و إما أرحل من الحجرة أو يسمع أخي في السماعة الصغيرة أو يغير الأغنية
ثم بدأت أستسيغ واحدة أو إثنتين .. بعضها لا كلها و الآن و منذ فترة قصيرة أصبحت تروق لي تلك الأغاني كثيرا و أختلس أي فرصة لسماعها عندما لا يكون أخي
موجودا حتى لا يسخرمن التحول المفاجئ … في البدء كان يسخر من جبني و عدم قدرتي على سماعها و أنني سأذهب من فوري لشرب اللبن لأنام على الفور و الآن
سيسخر من التحول المفاجئ و من أني تابع دائم له و لآرائه , أنت دائما موضع سخرية و إستهزاء مهما فعلت … و اليوم موضع بصاق كذلك
فلنختر شيئا جديدا لا نعرفه , فلننعم بمتعة التجريب و العشوائية .. نعلي الصوت على أقصاه و لنبدأ
رنيين يشبه أنين مكتوم عبثا ثم يدخل الجيتار بعزف منفرد يتبعه بقليل عزف الطبول المجنون و ..
(( لننطلق ))
إمترجتا الطبول و الجيتار و إزداد العزف سرعة و جنونا ثم صراخ لدرجة الفحيح و بالطبع لا أفهم شيئا …. تروق لي الأغنية , تروق لي كثيرا , لا أفهم شيئا تقريبا , و ما
الضير في هذا ؟ فهناك الكثير لا نفهمه والمطلوب منا أن نقبله , الموسيقى سريعة صاخبة و هذا يكفيني … بدأت في هز رأسي و قدمي بهدوء إستحسانا .. لم أكن أنوي هذا لكن
ثمة ما يفكك الأوصال و …
(( الحالة خارج السيطرة , سيطرة , سيطرة … إنها خارج السيطرة , سيطرة , سيطرة ))
اللازمة و الشئ الوحيد الذي أستطيع فهمه بعد كلمة البداية , هكذا رحت أصرخها معهم …. إن الأغنية رائعة , رائعة بحق … مرة أخرى , فقط مرة أخرى
لا أعلم أهي المرة الخامسة أم السابعة عشر أم الألف و ثلاثة و عشرون … قد أدرك أنه قال كلمة البداية فأعرف أنها مرة أخرى و حسب
أهز رأسي بجنون كما يفعلون في تلك الأغاني ناثرا شعري الطويل … شعري الطويل الذي يرفضانه
رأسي عصا الطبلة الجهيرة ( Bass drum ) يذهب ليصطدم و يرتد … أشعر أن مخي يتحرك داخل تلك الرأس لكن من يهتم ؟
ثمة حالة من فقدان الحجم تجتاحني … للحظات أنا أكبر من الكون أستطيع أن أسعه من فرط فراغي و مطي و للحظات أخرى أنا أنكمش أنكمش حتى أصل لأصغر
شئ يمكنني تخيله .. حبة رمل .. ذرة .. إلكترون و حتى هذا يكاد ينشطر من فرط الضغط و الإنكماش
قفرت من المقعد و بدأت أتقافز دون أن تتوقف رأسي , ترتطم ساقي بشئ سقط بضجة إختفت سريعا لكني لم أتوقف , لا يوجد ما يمنعني .. هل تشعر بشئ ؟ لا , فقط
شعرت بألم في الساق للحظة ثم إختفى , لا شئ إذن .. لا داع للتوقف
الآن أفهم كل شئ , الآن أدرك … الرؤية الضبابية المشوشة , الأضواء المتقطعة , الضخب و الصوت العالي الغير مفهوم
رقصات القبائل الأفريقية .. ( الزار ) .. ( الديسكو ) حتى رقصات الدراويش و المتصوفين , إن كل ما يفعله هؤلاء و غيرهم لم يكونوا يرقصوا ترفا أو للهو … إنها ضرورة
ملحة … حاجة ماسة يستحيل الإستغناء عنها
الآن أدرك هذا و أتيقن منه و قد خرج من رأسي الكثير من الغضب و التوتر و حل محله ذهن صافٍ رائق
الآن أستطيع تبين كلمات الأغنية … بدأت أفهم لغة الصراخ تلك
(( نبي يتكلم و كلامه قبيح
دائرة مفرغة عفنة تقيح
منطقه ضعيف كشيخ بترولي
جهل تام و عقول العجول ))
لماذا دائما يُعامل كنبي يجب أن أطيعه دائما دون مناقشة أو جدال ؟؟!!! حتى الأنبياء يمكن مناقشتهم و مجادلتهم و الإقتناع أو عدم الإقتناع بكلامهم و رؤيته صوابا أو خطئا
(( إحقن السم حيث الدم يسيل
إنظر فوق كتفك برعب
إفعل ما لك قيل ))
الكثير من الأكاذيب و الخداع دسهم في رأسي .. أشياء قال لي أفعلها و لم يفعلها .. أشياء قال لي ألا أفعلها و فعلها ,, بالتأكيد لا يوجد غيري ليعاقب في الحالتين .. من
الخطأ و العيب أن أفتح فمي إذا أخطأ
(( لا أمان هناك في المعركة الأبدية
المدافع تخترق الدروع البشرية
دولة جديدة نبنيها من عدم
شغب آخر بإرادتنا و ستتم ))
كيف أثق فيه بعد هذا ؟ كيف أثق فيه بعد كل تلك الوعود التي لا تنفذ , كل تلك الأسرار التي تنفضح , كل تلك الحكايات التي تنتشر … قيل لي أن هذا لمصلحتي , قيل لي
أني صغير و قد كان هذا لحكمة لا أعملها , قيل و قيل و قيل … لم يكن هناك حلا غير أن أتمرد أو أنفصل تماما لأصنع عالمي و حياتي , تمرد آخر لكن سلبي
(( الفحص إنتهى , كلب المراقبة ينمو
لأطوال و دناءات رهيبة يدنو
ركز على الهدف بعد أن فل
أبدع كيف تكذب , كيف تهمل ))
كان يعرف بأمر إنفصالي الآن , هل يتركني و شأني ؟ لا , فبالتأكيد أنا أخفي شيئا مريعا مفزعا .. هناك مليون سبب آخر يجعل الشخص يخفي أشياء عن الناس .. وداعا
للخصوصية و للحرية و لأي مساحة لي … هذه الأشياء تنتهك بطريقة فجة سمجة تشعرني بالمهانة التي تزيد عندما يهين ذكائي بأكاذيب و خدع ساذجة بعد ذلك
من فضلك , كن ذكيا , اختلق أشياء منطقية جديدة .. بالمناسبة عندما تعيد درجي كما كان فقط أغلقه
(( لا تقع في القبضة الحديدية
قاوم قاوم قاوم للأبدية ))
يبدو أنه لاسبيل غير هذا , لكن .. ماذا سأقاوم ؟! هل أقاوم الظلم ؟ هل أقاوم إستسلامي ؟ هل أقاوم غضبي ؟ هل أقاوم حبي له ؟ نعم , حبي له سبب لي الكثير من
المشاكل , ربما لو … كلا , لن تصلح تلك الفكرة
إحتشد العرق عزيرا على جبهتي و رأسي التي أخذتها النشوة عاليا , مازلت أتقافز و … هل أصبحت الأرض أعمق من ذي قبل ؟؟؟!!!! أستطيع لمسها لكنها
تبدو أعمق .. إنها تدور كذلك
نبي … سيطرة … شغب … دولة … سم … خداع … ضعيف … كلب … المدافع … الدم … القبضة الحديدية … قاوم قاوم قاوم … خارج السيطرة … سيطرة … سيـ …..
إستيقظت خاملا كسولا في فراشي .. هممم , كل شئ في مكانه المعتاد .. بالتأكيد كنت أحلم , لا يمكنني أن أفعل هذا !! لا يمكنني أبدا ! فلنبدأ يوما جهااااوـــيد و …
آآآآه
جلست على الفراش ثانية , كشفت عن ساقي و رأيت أضخم و أسوأ كدمة يمكن رؤيتها , نظرت حولي ثانية لأتأكد , المنضدة الصغيرة هناك سليمة .. للوهلة الأولى فقط , لولا
إستنادها على ذلك المقعد لوقعت , أخي من نقلني و سند المنضدة حتما
بدأت أحجل خارج الحجرة , لا يبدو أحدا بالمنزل , ذهبوا جميعا إلى أعمالهم بينما إستغرقت في النوم … الشئ الغريب غير المعتاد بحق هو ذلك الهدوء البالغ , دائما ما يوجد
إزعاج , إذا لم يكن من أفراد البيت يكن من الجيران , بوق سيارة تمر , أعمال بناء قريبة , أي شئ يعكر صفوي و حسب
لا تلقي بالا , فلنفتح التلفزيون و نسترخي قليلا
اخترت أي محطة ثم رميت جهاز التحكم بعيدا حتى لا أظل أعبث بالمحطات .. أتفرج أحيانا , أفكر أحيانا , أعتبره راديو مرئي أحيانا و أتثاءب كثيرا و …
(( أنت يا ولد , ساعة و أنا أناديك !!! إذهب على الفور رد على الهاتف الذي يرن منذ سنة !! و مالك تعلي صوت التلفزيون على أقصاه , أقامت القيامة ؟!!! ))
كانت أمي أمامي فجأة تصيح بالمريلة على صدرها و الصابون في يديها … متى عدت من عند أختك ؟!
يبدو أنها عادت من لتوها إلى الصحون التي تنتظرها
تلك المرأة ليس لديها ترف الإستراحة من يوم سفر طويل
هي تصيح غاضبة إذن لم يبدو لي الصوت هادئا ؟!! أراها تصيح لكن أسمعها تتحدث بهدوء !
أطفأت التلفزيون و …
هل تسمع ذلك الأزيز الخافت ؟ نعم , بالكاد
قمت إلى الهاتف و قد لمعت عيناي …. سوف أفعلها ثانية و ثالثة و رابعة … سوف أفعلها حتى لا أسمع مطلقا , ما فائدة السمع إذا لم يكن هناك كلام ؟!!!
أما ما يريدون سماعه فسأقوله لهما , حسنا , حاضر , أمرك , بالتأكيد … الأمر سهل كما ترى
بالتأكيد أبي هو من يتصل ليسأل عن الغداء حتما .. من غيره يتصل بنا على أيه حال ؟
أرفع السماعة , لا أسمع شيئا , مازلت لا أسمع شيئا , حقا لا أسمع شيئا
صفقت السماعة و سمعت صيحتها الهادئة :
- من ؟
- لا أحد … الرقم خطأ
Sorry, the comment form is closed at this time.