Post edited 12:05 am – October 6, 2009 by Griffin
Post edited 12:09 am – October 6, 2009 by Griffin
Post edited 12:12 am – October 6, 2009 by Griffin
Post edited 12:14 am – October 6, 2009 by Griffin
Post edited 12:20 am – October 6, 2009 by Griffin
Post edited 12:00 pm – October 6, 2009 by Griffin
Post edited 12:02 pm – October 6, 2009 by Griffin
ما الحياة الدنيا إلا
حلم يطوف بحالم،
كيعسوب حط علي ساق من الحشيش;
محاولًا أن يضيئها.
—————————-
و عاد للمشي ثانية…
كانت أدواته الطبية ثقيلة ، و كذلك ساقاه كانتا ثقيلتين .. و كان معطفه الطبي الأبيض الغارق في الفورمالهيد يصدر رائحة كريهة تتصاعد إلي أنفه بلا توقف ، و كأنها لن تسكت بطريقة أو بأخرى و ربما ليس بثالثة .. لكنها استمرت !!
و عاد مرة أخري إلي الطريق الطيني الممتد علي مدي البصر ، و نفس حقول الأرز الممتدة علي الجانبين ، و نفس أشعة شمس المساء المحتضرة ، و حتى نفس القطار كان مارًا علي قضبانه ببطيء .. كان راجعًا هذه المرة من وجهته التي كان يجب أن يكون قد وصل إليها منذ وقت طويل..
كان مرهقًَا و مثقلًا .. لقد شعر بالإعياء ، فرحلته ذات العشرين ميلًا و التي كانت تستغرق ربما أقل من ثلاث ساعات بذلك القطار المتبختر في الأفق .. لو انتظر قائده قليلًا ، فربما كان ليتمكن من اللحاق به … نعم ربما!!
خطوة تشتهي الراحة فتبطئ ، و أخري تمني نفسها أيضُا بالراحة بعد العناء فتلتهم الطريق الممتد بلا نهاية أمامها علي أمل أن تجد ما تبتغيه في آخره.
عزم علي الاستمرار في السير ، فهو لا يمكنه أن يتوقف هنا و الآن …
لا يمكنه..
كانت حشرات المساء قد شرعت في غناء استهلاليتها الليلية ، استهلالية كانت لا تشبه تلك التي كان ينصت لها في الحقول الواقعة حول بيته المطل علي البحر ، عندما يشرع صديقه بيدرو بمداعبة أوتار الساميسن .
بيدرو .. نعم مازال يتذكره ، صديق الطفولة ، و كيف له أن ينساه ؟!!
مازال يتذكر نزولهم من وقت لآخر إلي طوكيو .. لقد رأوا الشوارع الحية في الليل ، محلات الزهور ، أكشاك مجلات المانجا المنشورة حديثًا ، و مكانهم المفضل –مطعم الأرز الساخن- الذي كان يقدم أفضل وجبات "الرامن" .
امتد الطريق المظلم أمامه ، الطريق الذي صلح أن يكون ملاءة بيضاء لعرض ذكريات الطفولة .. لم ينتبه لمروره بالقرب من ذلك الكشك الصغير إلا عندما لفح ضوء مصباحه عينيه التي اعتادتا الرؤية الليلية.
و كالمسحور بقلة النوم و ثقل التعب ، صعد درجات السلم الحجري للكوخ ، فتح الباب ، و أغلقه خلفه ..
كان أول رد فعل له ، بعد أن تحقق الآن أنه يمكنه أن يرتاح فيه ، أنه أنزل حمله الثقيل علي الأرض ، و كوسادة خشنة قاسية استعمله لينام متدثرًا بمعطفه الأبيض ، و سحب نفسًا عميقًا كادحًا ، و اختفي كل شيء من حوله ..
لم يلاحظ النافذة المطلة علي النجوم..
و ربما لم يلاحظ أيضًا ذلك الزاحف الأسطواني الخارج من بين ألواح الأرض الخشبية المتداعية زاحفًا تجاهه..
و بالتأكيد لم يلحظ ثقبي الدماء المندفعة من جسده!!
**************
<< يوريو .. ساعدني … يوريو >>
<< بيدرو ؟!!>>
********
خليج تسونو
في بحر ايوامي
ليست له شطآن جميلة..
لكن قريته البيضاء تحت ضوء النهار هي الجمال ذاته .. شامخة ، ملاصقة للبحر كعادتها ، بحواريها الضيقة و مساكنها المتلاصقة .
النوارس البيضاء تصيح في قوة ، مشاركة للعائدين من بحر صيادي الحيتان حماسهم ، و تهز الأمواج قيعان عشب البحر مثل الأجنحة المرتعشة في ثوب المساء.
يركض في الأزقة ، و بنفس أعياه المجهود ، صارخًا <<بيدرو..>>
لقد قالوا له أنه قد تأخر ، فات الأوان ، لكنه لم يستسلم .. إنه صديق الطفولة الراحل .. آن له ألا يراه!!
يدخل بيت صغير من غرفة واحدة ، ليجد جسد مسجى علي الفراش و مغطي وجهه بغطاء ..
" هل جئت يوريو ؟"
غرفة مطلة علي البحر ، جاء فيها صوت النوارس و المياة المندفع من النافذة الوحيدة ليصنع أنشودة ..
قال بنفس الصوت الهادئ الحزين " لقد جئت متأخرًا "
أنشودة الرحيل !!
***********
خليج تسونو
في بحر ايوامي
ليست له شطأن جميلة
لكن الغروب علي حافة التلة المحتضنة للقرية قد يغير رأيك!!
جالس هناك يتطلع للأفق اللا أبدي ، و شمس المغيب تغوص ببطيء في بحر صيادي الحيتان .
هو لم يبالي بالنار الموقدة في جسد صديق الطفولة بعد رحيله عن عالم الأحياء*.
"صدقني ، ما كنت لامتنع عن مساعدتك ، سامحني أرجوك "
رياح قوية علي التلة تحرك العشب الطويل النديً في رقصة علي أنغام الساميسن الصامتة!!
*****************
خليج تسونو
في بحر ايوامي
ليست له شطآن جميلة
لكن نسمات البحر الندية قد تشفي قلبك .. أو تدميه !!
جسدان يتأملان البحر و الأفق علي حافة التلة
" أردت مداواتك ، و لكن لم يكن معي المال "
الآخر صامت ..
" أردت أن أكون طبيبًا لأشفيك "
تتلألأ عيناه بالدموع
" عندما أجمع النقود عندها سأكون طبيبًا ، و سوف أعالج المرضي الذين كنت مثلهم "
ينهض الآخر ببطيء مسدلًا ظهره للأفق ، بخطوات بطيئة
" ما الذي حققته في حياتي ، لا شيء "
يقول الآخر بصوته الهادئ الحزين
" لماذا لا تأتي إلي جانبي ؟!، عالمي هو الحياة الحقيقية "
*****************
يمشي مستسلمًا وراء ظل الآخر علي الأرض العشبية
بعيدًا عن الأفق ، بعيدًا عن التلة … و بعيدًا عن الحياة!!
لكنه يتوقف..
" ما الأمر ، يوريو ؟"
" بيدرو ، أنا آسف لا أستطيع أن آتي إلي عالمك "
"لماذا ؟!"
" الأمر يحسسني بالإخفاق ، أنا لا أريد .. لا أريد أن تنتهي حياتي بلا فائدة ، أريد أن أشفي الأطفال الذين أصيبوا بمرضك ، و أقول لذويهم لا تقلقوا لقلة المال "
تندفع أنغام السامسن بقوة لتفعم الجو بالحياة .. نعم ، هي لم تعد صامتة .. ليس بعد الآن .
يخفق قلب الآخر بقوة ، و دموعه تتساقط من عينيه ..
" أفعلها يوريو ، عش لتكن طبيبًا "
****************
و عاد للمشي ثانية ..
كانت أدواته الطبية ثقيلة ، كان الحمل ثقيلًا ، و كذلك ساقاه أيضًا كانتا ثقيلتين .. مخدرتين من أثر النوم .
هو مازال حيًا ، فعلي الرغم من كونه لم ينهي دراسته بعد ، لكنه يدرك أن ليس كل الزواحف التي تخلف ثقوبًا دامية قاتلة .. نعم .. إنه مازال حيًا .
و عاد مرة أخري إلي الطريق الطيني الممتد علي مدي البصر ، و نفس حقول الأرز الممتدة علي الجانبين ، و قمر الصباح المشنوق في السماء ، و سحب متقطعة هنا و هناك..
مازال أمامه طريق طويل ليكمله سيرًا ، فهو لن يتوقف هنا و الآن …
علي الأقل معطفه الطبي الأبيض الغارق في الفورمالهيد توقف عن إصدار الرائحة الكريهة إلي أنفه!!
********************************************************************
(*):جرت العادة في الكنفشيوسية أن يتم حرق جثة المتوفي حرقًا تامًا ، و ما تخلف من الرماد يتم الاحتفاظ به أو نثره ظنًا منهم أن في ذلك تحرير لروحه من عوالق الجسد. "موسوعة ويل ديورانت، الشرق القديم"
Sorry, the comment form is closed at this time.